الشيخ محمد علي الأراكي
465
أصول الفقه
المعتبر أبعديّة أحدهما عن الخلاف ، بمعنى أنّه لو فرض العلم بصدق أحدهما وكذب الآخر كان أحدهما أبعد عن الكذب وأقرب إلى الصدق ولو لم يكن مع أحدهما بقول مطلق أمارة الصدق . لا إشكال في عدم اعتبار الظنّ الشخصي ؛ لأنّ المرجّحات المنصوصة شيء منها لا يفيده ، فيبقى الوجهان الآخران . واستظهر شيخنا المرتضى قدّس سرّه الشريف الوجه الأخير من تعليلهم عليهم السلام الأخذ بالخبر المخالف للجمهور بأنّ الحقّ والرشد في خلافهم ، ومن تعليلهم الأخذ بالموافق للمشهور بأنّه لا ريب فيه ، بتقريب أنّ نفي الريب بعد عدم إرادة معناه الحقيقي - وإلّا لم يمكن فرض الخبرين مشهورين - يراد به نفي الريب بالإضافة يعني أنّ في الشاذ احتمالا ليس في المشهور ، فيدلّ على أنّه كلّما كان مع أحد الخبرين مزيّة يوجب أقليّة الريب فيه بالإضافة إلى الآخر وإن كان مشكوكا وغير مظنون لا نوعا ولا شخصا فهو المقدّم . وهكذا كون الحقّ والرشد في خلاف العامّة بعد عدم إرادة معناه الحقيقي - وإلّا لم يكن للأخذ بالموافق مع السلامة عن المعارض وجه - يراد به كون الخبر الموافق مظنّة خلاف الحقّ والصواب ، فاحتمال الكذب فيه آكد منه في الموافق . ولكن فيه أنّ نفي الريب بعد تعذّر الحقيقة وهو نفي الشكّ حقيقة يكون الأقرب إلى معناه الحقيقي هو الظنّ ، وبعد عدم اعتبار الشخصي يتعيّن النوعي ، وأمّا أقليّة احتمال الكذب فهو رفع اليد عن أقرب المجازات إلى أقربها ، وهكذا الظاهر من قوله : الحقّ والرشد في خلافهم بعد عدم إمكان الحقيقة هو وجود الأمارة النوعيّة على الصدق والرشد فيه ، ولا شبهة في كونه أقرب إلى المعنى الحقيقي من الأبعديّة عن الكذب ، ولا غرو في كون مقابلة الخبر لمذهب العامّة أمارة نوعيّة على صدقه إذا علم مقابلة مذهبهم نوعا للواقع والمذهب الصواب ، كما يستفاد من قوله عليه السلام : ليسوا من الحنفيّة على شيء ؛ فإنّه من قبيل استكشاف الشيء من ضدّه ، كما يقال : يعرف الأشياء بأضدادها .